يعقوب إسحاق: أُسيءَ استخدام مصطلح الشهادة في سبيل الله «إسلامياً » لأسباب سياسية

جريدة الحياة - الثلاثاء, 09 فبراير 2010
1212.jpg
جدة - علي الرباعي
Related Nodes:
1212.jpg
سيرة ذاتية
001.jpg

تتجلى جوانب شخصية الباحث في الفكر الإسلامي، يعقوب محمد إسحاق في شفافيته ووضوحه في الطرح، وقدرته على استنبات القضايا الشائكة والجارحة محاولاً درس الظواهر، واستقصاء الأسبابومعالجة الآثار الناجمة عن الإشكالات المعاصرة، وإبداء وجهة نظره من دون وجل، خرج من اهتمامه بالطفولة وبرامجها بعد أن رسّخ اسم «بابا يعقوب» عند أجيال تجاوزت مراحلها، وثبّت بصمته في الثقافة والأدب من خلال نشر كتب عدة تربي الشباب على حب القراءة والتعلق بالثقافة، وتدرج إلى أن غدت القضايا الكبرى ومحطات الإصلاح في مقدم اهتماماته، ولذا أخرج كتباً قيمة، فيها من روح المفكر، وخبرة المجرّب، وطموح المنظّر، وجدية المواطن المنتمي، علماً بأن حياته المادية متوقفة على راتب متواضع، يجود به عليه الضمان الاجتماعي، وهنا رصدنا المشوار وإليكم نص الحوار:
> ما أبرز المحطات الرئيسية في حياتك؟
- مررتُ في حياتي بخمس محطات رئيسية، بدأت بعملي معلماً للغة العربية لأربعة أعوام، ثم عملي مراقباً إدارياً ومحققاً في هيئة الرقابة والتحقيق، ثم عملت رئيساً لتحرير مجلة حسن للأطفال التي صدرت عن مؤسسة «عكاظ» للصحافة والنشر، وخلالها تعلمت أسرار الكتابة للأطفال.
ثم عملت متعاوناً مع «تهامة» للنشر والمكتبات في عصرها الذهبي إبان كان المستشار محمد سعيد طيب رئيساً لها، إذ كتبت أثناءها أهم أعمالي للأطفال، ثم مرحلة استخراج رخصة للنشر بعد توقف «تهامة»، إذ ألّفت ونشرت عشرات الكتب الثقافية والتعليمية للأطفال في أعمارهم المختلفة، والمحطة الخامسة والحالية منذ عشرة أعوام استغرقت بها في قراءة كتب السياسة الشرعية ونشرت أهم أعمالي الفكرية.
> ما أهم المحطات ولماذا؟
- كانت المحطة الثانية أهم المراحل، وهي عملي مراقباً إدارياً ومحققاً في هيئة الرقابة، إذ خلالها تنبهت إلى أن القانون جزء أساسي في العمل الإداري، ومرجع للجهات الرقابية عند اللجوء إلى المحاسبة، وأنه سند للموظف المتهم بارتكاب مخالفات إدارية أو مالية.
> ما أثر القانون في من يقوم على تطبيقه من خلال تجربتك؟
- كان القانون قيداً ذهبياً في يدي، وجداراً عازلاً يحد بين مشاعري الذاتية وبين ارتكاب الأخطاء والمظالم والتجاوزات في حق المتهمين الخاضعين للتحقيق.
> هل تشعر بالرضا عما أنجزتَه في تلك المحطات؟
- أفتخر بأنني أسهمت في بناء جيل جديد تربوياً، كوني كتبت للأطفال نحو 300 كتاب، إضافة إلى تأليف ونشر بعض الكتب المهمة في موضوع الإسلام السياسي.
> ماذا عن المردود المادي لمثل هذه الأعمال؟
- كنت وما زلت متمسكاً بالمثاليات، وأرى أن توجه المثقف لخدمة وطنه، وحرصه على تقدمه وتصدر الطليعة وعياً وثقافةً أهم من كل المكاسب وإن لزم الأمر أن يكون في عداد الفقراء، وللعلم فإني أتقاضى مبلغاً زهيداً لا يصل إلى 1500 ريال، (وتحديداً 1264ريالاً) راتباً شهرياً من الضمان الاجتماعي، ولله الحمد والمنة أولاً وآخراً.
«غطِّي وجهَك يا حرمة»
> ما دافعك إلى عنونة كتابك الأخير بـ «غطِّي وجهَك يا حرمة»؟
- هذا الكتاب الصادر عن دار «بيان» اللبنانية، محاولة لهدم الجدار الذي بناه بعض الغلاة في الدين بين الرجل والمرأة، استناداً إلى نظرية سد الذرائع وهي قاعدة فقهية ابتدعها بعض الفقهاء للتضييق على الناس وتحريم المباح، فوقع الإرهاق والإعنات والمشقة من أمور هي فروع في الشريعة السمحة.
> ألا ترى أن دافعهم غيرتهم على الأعراض؟
- لا أظن أنها الغيرة، لأني أذكر أن أحد الدعاة من تيار الصحوة اتهم المرأة في مؤتمر الحوار الوطني في المدينة المنورة بأنها فاسدة مفسدة، وهذا جهل بحق المرأة التي هي أمي واحترامها يوازي احترامي لأبي، وهي الأخت والخالة والعمة، والزوجة وأم الأولاد المحترمة والمستحقة للاحترام.
والنصوص الشرعية لم تفرق بين الجنسين إلا في نطاق ضيق، إذ يقول تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) وفي الحديث: «الجنة تحت أقدام الأمهات»… فكيف يسوغ لمسلم مؤمن بالله ورسوله أن يصف المرأة بالفساد والإفساد.
> أين تقف من اللغط الدائر اليوم بين تيارات، تتجـادل حـول مفهــوم الاختلاط وحكــمه؟
- هناك توجه حميد نحو الخروج من دائرة التراجع الفكري الذي نعيشه منذ 30 عاماً، بعد أن أطفأ تيــار الصحوة الأنوار وعطّل المحركات لكل المشاريع العلمية والإبداعية، وأدخلنا في أنفاق ظلامها دامس، وله أهدافه السياسية والمسيّسة.
ولعل البعض استوعب عملية الخلط التي يمارسها التيار باسم الدين، ومنها الخلط بين الجهاد والقتال، والخلط بين الحجاب والنقاب، والخلط بين الخلوة والاختلاط.
> هل يمكن فك الخلْط بين الخلوة والاختلاط؟
- نعم، فالخلوة تعني اجتماع رجل وامرأة في مكان سري ومغلق لا يراهما ولا يدخل عليهما فيه أحد، والاختلاط لقاء رجل بامرأة في مكان عام مفتوح دون اختلاء بل أمام أعين الآخرين في شارع أو مكتب أو مقهى أو مطعم أو سيارة أو في سوق تجارية للحديث عن عمل أو مصــــالح مشتركة أو التخطيط للزواج.
وهذا أحد أخطاء تيار الصحوة بسبب الخلط بين المفاهيم والمصطلحات وعجزه عن تحريرها تحت مظلة سد الذرائع والأعراف القبلية التي تجاوزها الإسلام.
> هل ترى أنه يمكن تجاوز النصوص لتحقيق المباحات؟
- المحرمات في الإسلام معدودة، ولا يحق لأحد من البشر أن يحلل أو يحرّم شيئاً من عنده، لقوله عليه السلام: «ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو مباح فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً» رواه الترمذي.
وحديث الخلوة «ما اختلى رجل بامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما» حديث خبري بأن الشيطان يتسلل إلى خلوة الرجل بالمرأة وليس فيه أمر ولا نهي، ولم يحدد عقوبة للخلوة وإنما توحي صيغة الحديث بالتحذير فقط.
> كيف يمكن تجاوز النصوص المحذرة من الخلوة؟
- محذرة نعم، لكن لم يرد تحريم صريح للخلوة، فتحريم الخلوة في الفكر الديني جاء عن طريق نظرية سد الذرائع الفقهية التي تعني سد الطرق المفضية إلى الحرام، ولها شواهد منها أن زراعة العنب قد تؤدي إلى صناعة الخمر، والسكين تستخدم لذبح الأبرياء، والسلطة طريق إلى الظلم والاستبداد، والسفر لبلاد أجنبية مدعاة للارتداد عن الإسلام.
والإنترنت موصل للمواقع الإباحية، والخلوة سبيل إلى الزنا، وبناء على تلك الاحتمالات نحرّم الأشياء السابقة كالعنب والسكين والخلوة لاحتمال وقوع المفسدة، بينما الأحكام الشرعية لا تُبنَى على قاعدة الظنون والاحتمالات، إلا أن الغلاة نجحوا في توظيف سد الذرائع لتحقيق بعض الأهداف الخفية وتحريم المباحات، علماً بأن النصوص جميعها تؤكد أن المجتمع مختلط والاختلاط مباح بل هو لازم من لوازم الطواف والسعي والحج والصلاة والأسواق والمشافي.
العيسى والغامدي
> كيف قرأت مقالة وزير العدل الدكتور محمد العيسى، وحوار أحمد قاسم الغامدي عن الاختلاط؟
- ما نشر من مقالة وزير العدل، ورئيس هيئة مكة يؤكد ما سبق وذهبت إليه في بعض كتبي من أن الاختلاط مباح شرعاً، وهذه الاعترافات من رموز المؤسسة الدينية تعد سابقة في إعلان جواز الاختلاط بين الرجل والمرأة، وهي في حال الحشمة والعفة وعلى رؤوس الأشهاد.
وأتطلع إلى قيام المؤسسة الدينية بدورها المناط بها، ولا سيما وزارة العدل، فالأخذ في المحاكم بالقول المجوز للاختلاط سيحد من الأحكام التعزيرية بحق المتهمين بالاختلاء بينما هم في حال اختلاط مباحة شرعاً وعقلاً، وانتهز هذه الفرصة لأدعو رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى تأمل ما ورد عن الوزير العيسى ورئيس هيئة مكة الغامدي، وإقرار قولهما وتعميمه على موظفي الهيئات، وإصدار نظام يمنع ضبط حالات الاختلاط والتوقف عن اتهام الناس بالخلوة.
فما ظهر من حق لا يبرر التمادي والتعسف والإصرار على الأخذ بالمرجوح في ظل وجود الراجح من أقوال أهل العلم المعتبرين.
> لك قراءة في فقه القضاء… بماذا خرجت منها؟
- الهدف من القضاء تحقيق العدالة بين الناس، وإحقاق الحق بين الحاكم والمحكوم، والقضاء بالحق ينصف المظلوم من الظالم، وينهي المنازعات، وفي الحديث الشريف «القضاة ثلاثة، اثنان في النار، وواحد في الجنة».
فالقاضي العالم بالحق والحاكم به في الجنة، والقاضيان بجهل أو بتجاهل للحق في النار، وهذا الحديث يذكرني بموقف أبي حنيفة حين رفض دعوة الخليفة لتولي القضاء، ليقينه وعلمه بما أصاب المسلمين من ظلم بني أمية.
وقال: «لو أرادني أن أعدّ له أبواب مسجد واسط لما فعلت، فكيف وهو يريد أن يكتب بإهدار دم رجل يرغب في ضرب عنقه بالسيف وأختم له على ذلك فو الله لا أدخل في ذلك أبداً» على رغم كل الأذى الذي لحقه إلا أنه أصرّ على موقفه حتى أعفاه الخليفة وأطلق سراحه.
فالقضاء منصب شريف وخطير لمن قوي عليه وفي الأثر «من ولي القضاء فقد ذُبِح بغير سكين» وفي قراءتي سجّلت الكثير من التحفظ على تصرفات القضاة وأحكامهم.
> كيف ترى ما تم إنجازه من مشروع الملك عبدالله بن عبدالعزيز لإصلاح القضاء؟
- عُرِف عن الملك عبدالله بن عبدالعزيز أنه ملك الإصلاح، وكان وما زال يعمل على إصلاح كل ما يلزم إصلاحه، فهو يحس بنبض الشارع، ويسعى لتحقيق العدالة، والمساواة، والحرية لكل مواطن.
وما توجيهه ومصادقته على النظام القضائي الجديد وديوان المظالم، وإقامة المحاكم المتخصصة إلا تأكيد على وجهته وتوجهه نحو الإصلاح للمرافق كافة.
وأعتقد بأن وجود رجلين بحجم الشيخ صالح بن حميد والدكتور محمد العيسى على رأس الجهاز القضائي سيسرّع من التطوير، ويسهم في انتشال القضاء من حالات الحرج التي يمر بها.
> مثل ماذا حالات الحرج؟
- بعض الأحكام المثيرة للجدل، والقسوة والغرائبية والتناقضات في بعض